المحقق البحراني
87
الكشكول
ويلتمسون دعاءها حتى كانت أيام الشتاء فأتاها يوم بارد وكانت قد اصابتها نجاسة في قميصها فذهبت لتغسلها فأضرت بيدها وشق عليها ذلك فعادت إلى مكانها وانتصبت في محرابها ودعت اللّه تعالى أن يكشف عنها ما تجد من ألم يديها ورجليها ثم نامت ورأت في منامها قائلا يقول : أبشري بالعافية فإن اللّه قد رحم بكاءك وتضرعك وسيعود إليك ما عدم منك ، فانتبهت من منامها وقامت إلى مصلاها وإذا بالخضر عليه السّلام قد أقبل إليها ومسح على يديها ورجليها فشفيت من ساعتها ورد اللّه عليها يديها ورجليها كما كانت أولا ، فحمدت اللّه وشكرته على ما أعطاها وسمع بها أهل القرية فأتوا إليها فوجدوها صحيحة اليدين والرجلين فشاع ذكرها في سائر البلدان . هذا ما جرى لها وأما ما كان من أمر الملك فإنه رجع إلى بلده مؤيدا منصورا ودخل على أمه وسألها عن الزاهدة فقالت : إنك أرسلت إلي كتابا أن أغرقها في البحر فغرقتها ، فبهت الملك وقال : يا أماه ما لي واللّه بهذا خبر بل إنك كتبت إلي تقولين ان الزاهدة قد ولدت ولدين أفطسين أسودين وهما أشبه الناس بسياس الخيل ، فقالت : له أمه واللّه ما لي بهذا خبر ولكن كتبت إليك انها قد أتت بولدين لطيفين كأنهما قمرين وهما أشبه الناس بك وقد سميناهما بأحسن الأسماء ، فلما سمع ذلك الملك غضب غضبا شديدا ومزق ثيابه وحثا التراب على رأسه وقال : يا أماه أحضري لي أولادي وإلا أهلكت نفسي ، فقالت : له اصبر ولا تجزع وأحضر سملقا إليك واسأله من فعل هذا ، فأمر بإحضاره فلما حضر أمر بضرب عنقه فقال : أيها الملك اتق اللّه في دمي . فقال الملك له : ان أخبرتني بالصحيح عفوت عنك أخبرني هل مررت على أحد غير الكتاب ؟ قال لا واللّه لا أدري ذلك سوى إني لمّا عزمت على المسير اعترضتني في بعض الطريق امرأة بديعة الحسن والجمال وسقتني كأس الخمر حتى سكرت فلما انتبهت لم أرها وفعلت ذلك بي في المجيء والذهاب . فقال الملك : ويلك تعرفها ؟ قال : لا واللّه . قال : أتعرف دارها ؟ قال : نعم . قال : امض بنا فنهض الملك من ساعته حتى وصل دار زوجة التاجر فأمر باحضارها فعرفها سملق فقال : يا مولاي هذه الذي فعلت بي ما قلت لك . فقال لها الملك : أخبريني الآن بحقيقة الأمر وإلا قتلتك شرّ قتلة . قالت : الآن حصحص الحق أنا الذي فعلت ذلك ، ثم قصّت عليه القصة من أولها إلى آخرها وانها أخت زوجها وما فعلت ذلك بها إلا حسدا ، فأمر الملك بها وبسملق أن يسجنا حتى يظفر بزوجته وأولاده ، ثم أحضر رشيدا وقال : ما فعلت بالتي كانت في صندوق الزجاج ؟ فقص عليه القصة ، فركب الملك مع خواص عسكره إلى ذلك الساحل